السيد كمال الحيدري

26

المعاد روية قرآنية

سبحانه وتعالى خلق الإنسان بنحو لا يريد شيئاً إلّا إذا كان كمالًا لنفسه ، ولا يهرب من شئ إلّا إذا كان سبباً في فقدانه لكمال من كمالاته ، ولذّة من لذّاته ، وهذا الكمال قد يكون كمالًا حقيقيّاً ، وقد يكون في الواقع كمالًا وهميّاً لكنّه كمال في الظاهر . وعلى أىّ الأحوال فإنّ القاعدة الأساسيّة والأمر الفطري في وجود الإنسان أنّه لا يُقدِم على عمل ولا يهرب من عمل إلّا إذا كان في مصلحته ، وفيه كمال لذاته . نعم ، قد يحصل في بعض الأحيان اشتباه في المصداق ، بحيث لا يستطيع الإنسان أن يشخِّص مصلحته مما هو في غير مصلحته ، من قبيل المريض المصاب بداء السكّرى الذي يتصوّر أنّ أكل السكّر لا يضرّه ، وإن كان في الواقع يضرّه ، ولكنّ هذا مطلب آخر . وما ذكرناه هو حقيقة قرآنيّة ووجدانيّة ، والتجربة الإنسانيّة خير شاهد عليها ، وهذا معنى قوله تعالى : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ( الإسراء : 7 ) . فالقرآن يقول للناس إنّ أىّ شئ آمركم أن تقوموا به فإنّما هو لأجل أنفسكم ، وأىّ عبادة من العبادات تقومون بها بنيّة القربة إلى الله تعالى ، فإنّها ترتقى بالنفس وتجعلها أكمل ، وكلّما ارتقت النفس بالعبادة صعدت في سُلّم التكامل ، وهكذا العكس . وعلى أساس هذه المقدّمة نقول : الإنسان عندما يريد تنظيم علاقاته مع الله سبحانه وتعالى ، أو مع الطبيعة ، أو مع الأفراد الآخرين ( أي المجتمع ) فإنّه سوف ينظّمها على أساس مصالحه الفرديّة ، وهذا أمرٌ فطرىّ في داخل الإنسان ، وهو ممّا لا يختلف عليه اثنان . فإذا كان هذا الأصل أصلًا فطريّاً مغروزاً في حقيقة الإنسان ، وهو